السيد محمد باقر الصدر

129

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

والمعلومات العقلية الأوّلية أو الثانوية التي تكتسب بمراعاة الأصول المنطقية ، هي حقائق ذات قيمة قاطعة . ولذا أجاز في البرهان - الدليل القاطع في مصطلحه المنطقي - استعمال المحسوسات والمعقولات معاً . وقامت بعد ذلك محاولة للتوفيق بين الاتّجاهين المتعارضين : بين الاتّجاه الذي يجنح إلى الإنكار القاطع وهو السفسطة ، والاتّجاه الذي يؤكّد على الإثبات وهو اتّجاه المنطق الأرسطي . وكانت هذه المحاولة تتمثّل في مذهب الشكّ الذي يعتبر ( بيرون ) من المبشّرين الأساسيين به . وتُعرَف عن ( بيرون ) حججه العشر على ضرورة الشكّ المطلق ، فكلّ قضية في نظره تحتمل قولين ، ويمكن إيجابها وسلبها بقوّة متعادلة « 1 » . ولكن مذهب اليقين سيطر أخيراً على الموقف الفلسفي ، وتربّع العقل على عرشه الذي أقعده عليه ( أرسطو ) يحكم ويقرّر مقيّداً بمقاييس المنطق ، وخمدت جذوة الشكّ طيلة قرون حتّى حوالي القرن السادس عشر ؛ إذ نشطت العلوم الطبيعية ، واكتشفت حقائق لم تكن بالحسبان وخاصّة في الهيئة ونظام الكون العامّ . وكانت هذه التطوّرات العلمية بمثابة قوّة الجدل في العصر اليوناني ، فبعثت مذاهب الشكّ والإنكار من جديد ، واستأنفت نشاطها بأساليب متعدّدة ، وقام الصراع بين اليقينيين أنفسهم في حدود اليقين الذي يجب أن يعتمد عليه الإنسان . وفي هذا الجوّ المشبع بروح الشكّ والتمرّد على سلطان العقل نبغ ( ديكارت ) ، وطلع على العالم بفلسفة يقينية كان لها تأثير كبير في إرجاع التيّار الفلسفي حدّاً ما إلى اليقين .

--> ( 1 ) راجع تاريخ الفلسفة اليونانيّة : 235 ، يوسف كرم